متى دخل التجديف مصر فى العصر الحديث؟
فى مصر ما قبل الحرب العالمية الاولى والثانية، مع الخديوى اسماعيل،
ازداد عدد الاجانب فى مصر زيادة كبيرة، وكانوا يشكلون بالنسبة
لمصر كثافة عددية، فلا تنسى ان مصر كان أفرادها أعدادهم قليلة
فى ذلك الوقت، فعام 1901 كان عددنا 11 مليون ويقال ان الاجانب
فى مصر كان عددهم 1 مليون، فهذا العدد بالنسبة للـ 11 كان عدد
ضخم ، فـ 1 على 10 كان عدد كبير.
وكان من اهم الجاليات فى مصر اليونانيين ويليهم الايطاليين، وكان
عدد اليهود كبيرا جدا وكانوا جميعهم يتحدثون الفرنسية وبالتالى
كانت الاندية الفرنسية غالبيتها يهود، وهكذا.
اول نادى للتجديف فى مصر كان فى الاسكندرية عام 1901، وقام بعمله
الألمان، واسموه النادى الالمانى للتجديف.
وكان فى المينا الغربية وليس فى المينا الشرقية. وكان بجانب سراى
رأس التين. ثم نشبت الغيرة لدى الاجانب الاخرين وكان هناك منافسة
بين الفرنسيين والالمان، فقام الفرنسيين هم ايضا بعمل نادى وكذلك
الايطاليين واليونانيين
كل هذا فى الاسكندرية؟
كل هذا فى الاسكندرية.
وقام اليهود بعمل ما يسمى "شيكا" المختلط، وكان هذا النادى
المختلط اغلبه يهود، فمادام قد سمى المختلط فلابد وان يكون به
عنصرا يهوديا. لأن اليهود كان لهم جنسيات مختلفة.
واصبح هناك اربعة او خمسة اندية بالاسكندرية، تقوم بتنظيم العلاقات
فيما بينهم ويقومون بعمل السباقات الخ.
وقاموا بعمل اتحاد التجديف بالاسكندرية، وتم تأسيسه سنة 1907
-وكانت رياضة التجديف قاصرة على الاجانب. حيث لم يكن الاجانب يقومون
بادخال المصريين معهم. حيث انهم كانوا يخافون منهم وكذلك فقد
كان الاجانب لهم بعض العادات الخاصة بهم مثل شرب الخمر والرقص
وما الى غير ذلك ، فقد كان هناك اختلاف فى الثقافة والعادات
وغيرها يمنع المصريين من الاندماج مع الاجانب
هل كانت تلك الاندية الاولى التى تتحدث عنها
تضم انشطة اجتماعية؟
نعم فقد كانت اندية للتجديف اساسا وفيها نشاط اجتماعي. لكن اصلا
رياضة التجديف نشأت فى الاسكندرية على يدى الالمان حيث كان اول
نادى فى مصر للتجديف الماني، ثم بعد ذلك نوادى اجنبية اخرى ولم
يكن هناك عنصر مصرى على الاطلاق.
وبدأ المصريين مع الوقت يدخل منهم واحدا او اثنين فى وسط الاجانب
وخاصة المتعلمين منهم بالمدارس الاجنبية والذين كانوا متأثرين
بالثقافة الاجنبية كانوا يتسللون لهذه الاندية. ولكنها كانت
رياضة اجنبية.
-من بعد الاسكندرية... بورسعيد، والتى كان يوجد منافسة بينها وبين
الاسكندرية. فمدينة بورسعيد كان نصفها اجانب، فقد كانت هيئة
قناة السويس لا توظف لديها الا الاجانب، كذلك كان العمال اجانب
وهكذا... فقام الاجانب بعمل اندية فى بورسعيد، النادى الفرنساوى
وهو هيئة قناة السويس ، النادى الايطالي، النادى اليوناني …
الخ.
كيف ومتى جاء التجديف إلى القاهرة؟
نادى Cairo River الموجود بجانب الغاز والكهرباء (والذى اعتقد انه
فى مكان نادى جامعة عين شمس ولكن لا اعرف هل استمر كذلك ام لا).
قاموا بعمل ما يسمى بـ Cairo River Club ، اقامه الاجانب بالقاهرة
عام 1925. وكان المصريون فى تلك المرحلة – اثناء ثورة 1919 وتلك
الفترة- يريدون تمصير كل شيئ. فكانوا يريدون تمصير النشاط الاجتماعي،
كذلك فقد كانت جميع المستشفيات فى تلك الفترة مستشفيات اجنبية
مثل المستشفى الفرنساوى او القبطي، فلم يكن هناك أى مستشفى مصري،
ولم يكن هناك أى مرفق من المرافق مصريا. فقد كان هناك نزعة وطنية
لتمصير كل نشاط، ومن ضمنها بالطبع الرياضة.
فهل تعلمون لماذا يأخذ النادى الاهلى كل تلك
الشعبية على سبيل المثال؟
لأن سعد زغلول كان اول من يرأس النادى الاهلي، وكان الانجليز هم
من اقاموا نادى الترسانة وكذلك السكة الحديد وايضا النادى المختلط
(وهو الزمالك) المتضمن للعنصر اليهودى وهكذا.
فكان الغيظ يفيض بالمصريين حيث كانوا يرون ان هذه هى بلادهم ومع
ذلك ليس لهم فيها شيئ.
وفى عام 1925 عندما تم انشاء نادى Cairo River Club قام بعض الطلبة
المصريين ببدء التسلل لهذا النادي.
وكان من ضمنهم رجل مصرى محترم رحمه الله كان يدعى مصطفى السعيد،
وكان طالبا فى كلية الهندسة.
وبعد ان قام نادى Cairo River Club قام الاجانب ايضا بانشاء اندية
اخرى منهم الايطاليين الذين أنشأوا نادى اعتقد انه كان يسمى
جيلا وكان قريبا من نادى القوات المسلحة الان. وكذلك النادى
اليونانى وهو مازال موجود بمكانه وان كان قد زحزح عن مكانه قليلا
الان.
وعندما دخل مصطفى السعيد نادى Cairo River Club لأول مرة عام 1925
أتى بطلبة من كلية الهندسة وطلبوا من ادارة النادى ان يقوموا
بعمل مركب لأربعة من الطلبة متعللين بان مواعيدهم تتناسب مع
بعضها وانهم اصدقاء ويخرجون مع بعضهم وهكذا. وبالفعل سمحت ادارة
النادى بهذا، حيث قاموا بعمل مركب تكون تابعة لنادى Cairo River
ولكنها مخصصة لطلبة كلية الهندسة.
ومع الوقت اتتهم فكرة، وهى لماذا لا ينزلون السباق باسم كلية الهندسة؟
وبالفعل تم ذلك وكانت تلك الاحداث قبل عام 1933 .
وفى هذا العام 1933 كان هناك مديرا مصريا للجامعة رحمه الله كان
من اعلام مصر، فى الغالب اعتقد انه كان لطفى السيد، اقترح فكرة
عمل مركب تحت اسم جامعة القاهرة، حيث اننا كنا نقلد انجلترا
مثلما كانت تسمى المراكب باسماء جامعاتها: اكسفورد وكمبريدج
…الخ.
فأتوا بعوامة فى حالة رديئة - تحت اسم جامعة فؤاد الاول، وهو الاسم
الذى كانت تحمله جامعة القاهرة فى ذلك الوقت - من طلبة كلية
الهندسة، "مصطفى السعيد". وكان هذا هو اول نادى مصرى
يتم انشاؤه فى القاهرة وفى مصر كلها.
وهل تم انشاؤه فى نفس المكان الذى يشغله الان
نادى الجامعة؟
نعم فقد كان مكانه هنا ايضا ، وانتقل اسم النادى من نادى Cairo
River الى نادى كلية الهندسة الى نادى جامعة فؤاد الاول.
وهل كان النادى المصرى آنذاك قد تم انشاؤه
ام لا؟
لا، لم يكن النادى المصرى قد انشئ وقتها.
المعروف ان المراكب الخاصة بالتجديف غالية الثمن، فتبنى نادى جامعة
القاهرة موضوع الإتيان بالمراكب، ولكى ينشأ نادى آخر كان لابد
من وجود ابناء ذوات لكى يتمكنوا من التبرع والاتيان بالاموال
وما الى غير ذلك.
فجاءت جماعة من ابناء الذوات والمثقفين أوعزت للملك فؤاد عام 1934
بان يقوموا بانشاء نادي.
وقاموا بالفعل بعمل نادى كان مقره بالقرب من سميراميس (على الضفة
الشرقية للنيل) واسموه نادى التجديف الملكي.
وكان المرسوم الخاص بهذا النادى عام 1934 ولكنه افتتح عام 1935.
وكان جماعة الباشوات يجلسون فى هذا النادى فى وقت العصاري،
ولكنهم وجدوا عيبا فى مكان هذا النادى وهو ان فى وقت الغروب
وقبل مغيب الشمس، فقد كانت اشعة الشمس تضايقهم وتعثر الرؤية،
فأتوا الى مكان نادى جيلا حيث وجدوا ان مكانه مميزا فقاموا بزحزحته
قليلا واخذوا مكانا بجانبه.
كان الايطاليين هم المسيطرون على تلك اللعبة فى ذلك الوقت، فقد
كانت الجالية الايطالية جالية نشيطة جدا وكانت تقوم هى بالتنظيم
والاهتمام بمجموعات الشباب وتجمعاتهم وكان لهم منظمات شبابية
واندية وكان كذلك موسولينى مهتما بالشباب وما الى غير ذلك.
فقد كان الايطاليين بارزين عن بقية الاجانب، وكانت الجالية الايطالية
هى ثانى اكبر جالية بعد اليونانيين، وكانوا متميزين فى الرياضة
بصفة عامة، فقد كانوا ملوك اللعبة فاغلب من كان يفوز بميداليات
وبطولات كان الايطاليين، سواء كانوا من الاسكندرية او من بورسعيد
او من مصر، فقد كان العنصر الايطالى هو العنصر المسيطر على رياضة
التجديف فى مصر.
وأردنا ان نأتى بمدرب، وبالطبع كان لابد وان يكون مدربا كفءً ،
فأتوا بمدرب يدعى "سورونتينو"، وكان ذلك بعد عدة سنوات
حاولوا ان يقوموا خلالها بتدريب انفسهم ولكنهم لم ينجحوا فى
ذلك، فأتوا بهذا المدرب وهو ايطالى كان يعيش فى بورسعيد، وكان
بطل مصر فى الاسكيف.
وكان هناك منافسة حادة بين نادى الجامعة والنادى الملكى سوف اذكر
سبب تلك المنافسة لاحقا.
وقد فاز هذا المدرب "سورونتينو" على من يدعى "مصطفى
السعيد" - وهو مصطفى السعيد طالب كلية الهندسة والذى كان
من نادى Cairo River ، فاعجبنا بـ"سورونتينو" جدا
وقتها، وعندما اعتزل وكبر فى السن اتينا به كمدرب، وبدون شك
فقد علم "سورونتينو" المصريين الكثير.
عندما رأت الجامعة اننا اتينا بمدرب اجنبي، جاءوا هم ايضا بمدرب
ايطالى اسمه "لازاريس" .
وفى الواقع لقد أتوا بثلاثة: "لازاريس" ثم "دارجين"
ثم "ريناك" .
اتى عام 1939 وكانت بدايات الحرب العالمية الثانية، فبدأ الاجانب
فى الانصراف عن الرياضة لأن كثر منهم من تم تجنيده فى الجيش،
وكذلك تم وضع الايطاليين جميعا فى المعتقلات، وقد بدأ قبل ذلك
المصريين فى الظهور والتعلم بشكل جيد على يدى الايطاليين، حتى
ان "سورونتينو" قد تم اعتقاله وكان المعتقل آنذلك
بجانب الاسعاف.
وكان هناك ضابط فى الحرس يدعى وفيق أحمد على كانت مهمته ان يأتى
بـ"سورونتينو" من المعتقل لكى يقوم بتدريب اللاعبين
ثم يعود به الى المعتقل مرة اخري.
كانت الرياضة فى ذلك الوقت تعتمد على قوارب اليول yole ، ولم يكن
هناك أوتريجر (Out Rigger)، واليول بطبيعته عبارة عن مراكب
ثقيلة الوزن، وكانوا يسمونها yole de mer بمعنى المراكب التى
تستعمل فى البحر. أما الـ out rigger فكانت للانهار والبحيرات
ولم نكن على علم بها على الاطلاق وقتها.
وكانت اليول تحتاج الى فتيان ذوى اجسام قوية وكان ال"كادنس"
فيها بطىء وكان هناك استعمال للاوزان وما يطلق عليه الرمى للوراء
وكان يقول لك "امسك الكرسي"
عندما ظهرت ال out rigger عام 1950 كان اول من اتت بمراكب ال out
rigger الجامعة حيث اتت بمركب اربعة وكذلك النادى الملكي، فقد
كان يأتى بأى شيئ تاتى به الجامعة مثلما الحال الان بين الزمالك
والاهلي.
ولقد اصبح لهم السبق بعض الشيئ عن الاندية
الاجنبية، اليس كذلك؟
سوف اقول لك الاتي: لقد حدث انهيار فى اللعبة لأسباب كثيرة
اولا بالنسبة للاجانب ، فعلى سبيل المثال فان "سورونتينو"
بعد عام 1952 لم يعد يدرب فى مصر، لماذا؟
كان هناك رئيس اللجنة الاهلية ، حيث كان هناك اللجنة الأوليمبية
وكان معها ما يعرف باللجنة الاهلية،
كان رئيسها رجل يدعى " محمد باشا طاهر" وكان من العائلة
المالكة وكان رجلا ممتازا وعظيم.
وكان نادينا هذا تحت الرعاية الملكية، فكان رئيسه "شريف باشا
صبري" خال الملك وزوج اخت الملك فؤاد.
ولكى يقوم محمد باشا طاهر بمساعدة النادي، فقد كان يقوم بالصرف
من مرتبه، وكنا نعتقد ان هذا المرتب يصرف من اللجنة الاهلية.
تقصد انه يصرف لـ"سورونتينو" مرتبه
من جيبه الخاص؟
نعم، فقد كان "سورونتينو" يذهب اليه فى مكتبه فى اول
كل شهر ليجد عند سكرتير طاهر باشا مظروف به مرتبه، وكان يصرف
وقتها على ما اعتقد 36 جنيه. وقد اتضح لنا فيما بعد ان ذلك
لم يكن من مخصصات اللجنة الاهلية، وانما كان ذلك شيئ خاص يصرفه
محمد باشا طاهر من جيبه الخاص ولم يكن احد يعرف ذلك على الاطلاق.
وكثيرا ما كان يحدث مثل ذلك فى مصر، فكنا نجد ان الافراد يقومون
بالدفع ويلتزمون ونحن معتقدين ان الجهات هى التى تقوم بذلك وانما
فى الواقع هم الافراد من يقومون بذلك ولا يقولون. فلم يكن الافراد
يعيشون على الرياضة، وانما كانوا يقومون بالصرف على الرياضة،
وهى مرحلة انتهت الان.
عندما قامت الثورة كان محمد باشا طاهر من ضمن من تم تجميد اموالهم،
وعندما ذهب "سورونتينو" لصرف مرتبه لم يجد له مرتبا،
ولم نستطع صرف المرتب المخصص لـ"سورونتينو" وبالتالى
تركنا، وبعد ذلك بفترة قصيرة وجد "لازاريس" ان الجو
العام فى مصر قد تغير، فترك مصر نهائيا وسافر الى ايطاليا.
وعمل "سورونتينو" بالنادى اليونانى لفترة ولكنهم لم يقدروا
على تحمل مصاريفه ايضا، فترك النادي، واخذه نادى الشرطة بالاسكندرية
وقام بفتح محل للبقالة ولكن الحال لم يرق له فسافر.
فالعناصر الاجنبية هذه التى كانت تقود اللعبة كمدربين وكانت لديهم
شخصية جيدة وكان كل تدريبهم على اليول، حيث انهم لم يعرفوا ال
out rigger ولكنهم كانوا مدربين ممتازين فى الاخلاق والشخصية
وغيرها.
فاختفى لدينا بعد "سورونتينو" المدرب الجيد حتى ظهر "على
توفيق" ولكن كان ذلك بعد فترة طويلة.
وعلى توفيق – مع احترامى الكبير له- ليس كـ"سورونتينو".
كنوادى مدنية نحن فقدنا المدرب الجيد.
وعندما قامت الثورة كذلك، وجدوا أنه من ضمن التأمين لتلك الثورة
ألا يكون للطلبة وقت، فقاموا بتغيير مناهج الدراسة بحيث لا يكون
للطالب أية فرصة لممارسة أى نشاط سواء كان نشاطا اجتماعيا او
سياسيا او رياضيا،
وكذلك اصبح النظام فى الجامعة هو نظام الفصلين الدراسيين، وقد كانت
الحركة الرياضية تقوم على الطلبة ولكن هؤلاء الطلبة اصبحوا غير
قادرين على ممارسة الرياضة. فاصبحت تلك مشكلة، بالاضافة الى
ان مراكب الـ out rigger باهظة الثمن، ولم يعد هناك الافراد
الذين كانوا يقدمون التبرعات للنوادي، فقد اختفوا من الساحة
واصبحنا نحن ايضا غير قادرين على شراء مراكب out rigger محترمة،
وكذلك لم يعد هناك طلبة فى عنصر الاولاد الذين يجدفون، والمدرب
غير موجود، وبالتالى انخفض مستوى النوادى المدنية.
ثم بدأنا من جديد فى عام 1955.
فقام "زكريا محى الدين" اطال الله فى عمره بنشر رياضة
التجديف بالطريقة التى كانت متاحة له، وهى عن طريق نوادى الشرطة
، ولكن كان هناك عنصر الافتقار للمدرب مازال قائما، فكان يقوم
بالاستعانة بالعسكريين الذين توقفوا عن ممارسة اللعبة لكى يقوموا
بالتدريب وهكذا. ولكنه كان اول من قام بتوسيع رياضة التجديف
على مستوى مصر بأكملها وللأسف كان لابد من انتهاز مثل تلك الفرصة
وان تصبح تلك الاندية منتشرة فى كل مصر،
فقد قام بانشاء حوالى 20 ناديا وكلهم تابعين للشرطة حيث انه لم
يكن فى مقدوره عمل شيئ اخر غير ذلك.
عندما قام "زكريا محى الدين" بانشاء نوادى
الشرطة تلك، قام حينئذ "عبد الحكيم عامر" بانشاء نادى
القوات المسلحة، فاصبح هناك منافسة بين الشرطة والقوات المسلحة
ابتداء من عام 1955 . حينئذ انتقلت الرياضة من رياضة طلبة يمارسونها
فى اوقات الفراغ الى لاعبين محترفين. ثم جاء بعد ذلك نادى المقاولون
العرب ايضا فى نفس الاتجاه من حيث تفرغ اللاعبين وما الى ذلك.
فمنذ عام 1952 انخفض مستوى التجديف كثيرا بالنسبة للنوادى المدنية،
بل ان هناك نوادى مدنية اخرى قد تم اخذها، فنادى مثل نادى Cairo
River بعد ذهاب الاجانب وكذلك بعد اختفاء من كانوا يقومون بالصرف
على النوادى او بعد انتهاء مواردهم اختفى النادى واختفت كل النوادى
الاهلية الموجودة وانحسرت النوادى الاجنبية، وظهرت بعد ذلك الاندية
التى تعتمد على هيئات مثل نادى الشرطة، نادى القوات المسلحة،
المقاولون، وللأسف فقد اندحرت الجامعة لا اعرف لماذا ، ربما
لأنها تحت يدى موظفين وليست بين يدى مجالس ادارات مثل تلك التى
كانت بالجامعة منذ زمن وهى التى كانت ممتازة وقتها.
وقد حدث كذلك تغيير فى نوعية التجديف، فقد كان فى البداية
اليول يتطلب افراد ضخام وذوى اجسام قوية وكان التجديف بطئ ويعتمد
على القوة الجسمانية. اما الأوتريجر فقد قلب الموازين الى حد
كبير، واصبح ما يهم هو اتزان المركب واصبح هناك فنيات اكثر بكثير
من اليول، فتحولت العملية من مجرد قوة الى قوة وكذلك فنيات ذات
مستوى عالى واصبحت كذلك الرياضة مكلفة جدا. هذا بالنسبة للتسلسل
التاريخى الخاص بمصر.
من ملوك اليول فى مصر؟
فى الزوجى كان هناك "وفيق احمد على " و"عبد
الراضى حسن"، كانوا ضخام الجثة وكانوا يفوزون فى سباق الزوجى
فى اليول. وفى الرباعى كان بالاضافة اليهم كذلك "ابو السعود
ناصر" وشخص اخر مازال حيا يرزق، عبد الراضى توفاه الله
وكذلك ابو السعود أما وفيق احمد على فهو مازال حيا اطال الله
عمره، وكذلك شخص اخر سوف اتذكر اسمه كان جسده قوى ايضا . وكانوا
هؤلاء يعتبروا ملوك تلك الفترة من عام 1944 الى عام 1950 قبل
دخول الأوتريجر . فعند دخول الأوتريجر كان هؤلاء قد توقفوا عن
اللعب وتقدموا فى العمر واصبح هناك مجموعة اخرى من المجدفين
الذين بدءوا مع الأوتريجر.
بالنسبة للفردى فقد كان هناك لاعب من نادى Cairo River
كان يهوديا واسمه "بيجو" ، ثم ظهر آخر ايطالى فى
بورسعيد اسمه "جينو تيريوني" كان بنيانه ضخما وكان
يكسب البطولة. وقد انسحب مصطفى السعيد لأنه وجد ان المسألة اصبحت
صعبة بالنسبة له واصبح يجدف اسكيف، ولم يكن هناك من يجدف اسكيف
غيره.
وكانت المرة الاولى التى نشترك فيها بالمسابقات الدولية
هى عن طريق مصطفى السعيد، وهى كانت دورة الجامعات التى اقيمت
فى باريس عام 1936 . وقد اشترك فيها مصطفى السعيد ولا اعرف ماذا
كان ترتيبه ولكنى لا اعتقد انه حقق شيئ وقد اشترك باسكيف أوتريجر
وليس بكانوي. وقد سافرنا الى هناك وقام بتدريب نفسه على الاسكيف
حيث انه كان رجلا ممتازا ، فهو يعتبر من ادخل رياضة التجديف
للمصريين.
عندما بدأت انا كان ذلك عام 1946 وكان عمرى وقتها 16
عاما ، وكان الاجانب هم من يكسبون اليول، وكانوا يتفاخرون جدا
بالثمانى اليول، وكانت المرة الاولى التى يفوز فيها المصريين
بسباق الثمانى اليول من نصيب النادى المصرى – الملكى سابقا – وكانت تلك
المركب مكونة من توفيق شكرى وهو مازال حيا فى الاسكندرية، والثانى
على البيلى وهو يعيش بالاسكندرية ايضا، الثالث كان المرحوم صلاح
بسيوني، والرابع المرحوم عبد الراضى حسن، والخامس المرحوم سعد
مراد، السادس المرحوم فايز يكن، السابع المرحوم عمر صدقى والثامن
والاخير هو انا.
كان يرأس جامعة القاهرة رجل عظيم وهو عضو فى النادى
هنا وكان رئيسا للنادى ، وهو د/ ابراهيم شوقي
قبل ذلك كان د/ ابراهيم شوقى عميدا لكلية الطب وكان
طبيب اطفال، وهو رجل فاضل لم ينجب اولاد، وكان رئيسا للنادى
المصرى بعد شريف باشا صبري، حيث كان وكيلا للنادى فى عام 1950
ثم تم اعفاء شريف باشا صبرى من قبل الحكومة عام 1952 . ثم تحدثنا
معه وقلنا له ان العالم كله الان اصبح يجدف وان الأوتريجر هذه
باهظة الثمن وليس فى استطاعتنا شراؤها، فقام بشراء اربعة مراكب
أوتريجر لنادى الجامعة، واصبحنا نحن فى النادى هنا (النادى المصرى)
ننزل فى سباقات ضد نادى الجامعة واصبح هناك ما يعرف بالأوتريجر.
فى عام 1950 كان هناك دورة تسمى دورة الجامعات وكانت
فى بودابست فى المجر، وقد اشتركت فرق مصر جميعها ككرة القدم
وما الى غير ذلك وقاموا بعمل فريق لكرة القدم للجامعات وكذلك
كرة السلة وايضا فريق للتجديف، وقمنا بالتصفية مع جامعة واحدة
وفزنا بالسباق، وكان لدينا مركب اشتركت بها وكنت الرابع فيها
وكان معى توفيق شكرى وعلى البيلى وعمر صدقى ثم انا، وكان باقيا
على سفرنا يومين او ثلاثة وقاموا بعمل البدل الخاصة بنا للاشتراك
فى الدورة وتم تجهيز كل الاجراءات، ثم جاءت فى تلك الاثناء حكومة
النقراشى تقريبا وقالوا اننا لن نسافر، ولم نكن وقتها على احتكاك
بالأوتريجر او اليول فى العالم الخارجى ولم يكن هناك منافسات
دولية على الاطلاق، وكان السبب فى رفض سفرنا هو ان المجر دولة
شيوعية ونحن لا نتعامل مع الشيوعيين، فقد خافوا ان نتأثر كطلبة
عند ذهابنا الى هناك بالافكار الشيوعية ثم نعود لكى نطبقها كأن
نخلع الملك وما الى غير ذلك، وبالتالى لم نذهب فى تلك الدورة.
ثم فى عام 1951 كانت دورة البحر الابيض المتوسط تعتمد على الأوتريجر
وكانت اول دورة لألعاب البحر الأبيض المتوسط واقيمت بالاسكندرية،
فقمنا بعمل التصفيات واحضروا لنا مراكب أوتريجر وكان هذا هو
اول احتكاك مصرى بالمسابقات الدولية وكان هناك فرق على مستوى
الرباعى والزوجى والثمانى والفردي. وكانت فرقة تمثل مصر وليس
على مستوى نادى او جامعة وايضا اصبح هناك منتخب، وكان "سورونتينو"
هو المدرب وقتها. من العجيب، ان ايطاليا كانت مشتركة وكانت حائزة
على بطولة اوروبا وجاءوا قبل السباق باسبوع، فوجد "سورونتينو"
انهم يجدفون بطريقة اخرى غير الطريقة التى نجدف نحن بها، فنحن
كنا نستخدم اليول ثم اصبح بعد ذلك أوتريجر ولم يكن مدربنا يجدف
فى الأوتريجر على الاطلاق سواء "سورونتينو" او "لازاريس"
او غيرهم، فقد كانوا يجدفون مثلما نجدف نحن، فوجد ان الايطاليين
تجديفهم يختلف عنا وكذلك اليونانيين، حيث ان ثلاث دول فقط هى
التى اشتركت: مصر وايطاليا واليونان، وهو كان مثلنا فهو لم يسافر
اصلا خارج مصر، فقد كان رجلا مصريا ولد وتربى فى مصر، ففهم انه
لابد وان يغير من طريقة التجديف هو الاخر، فطمأننا وطلب منا
ألا نخاف وقال انه رأى الايطاليين ورأى طريقة تجديفهم واننا
لابد وان نقلدهم، وقام بتغيير طريقة التجديف قبل السباق بثلاثة
ايام، وبالطبع اهتزت ثقتنا بانفسنا وبالمدرب حيث اننا كنا نعتقد
انه المثل الاعلى الذى نحتذى به ولكننا عندما وجدناه مهتز الاعصاب
وخائف بالتالى خفنا نحن الاخرين، وكان من سوء الحظ ايضا ان اللاعب
الثانى معنا كان على البيلى وكان يركب ترام فى الاسكندرية فتشاجر
مع احدهم فقام على البيلى بضرب الرجل وكان من نتيجة ذلك ان انكسر
اصبع من اصابعه وتم وضعه فى الجبس وبالتالى اصبح غير قادر على
التجديف ، والثالث وهو عمر صدقى وهو كان بكلية الهندسة وكان
يرسب فى الكلية لأنه كان يجدف، وبسبب بعض الخلافات التى نشأت
بسبب ذلك وحزن والدته وشجارها معه بسبب ذلك اضطر الا يشترك معنا،
وبالتالى كانت النتيجة اننا قمنا يتغيير اثنين من الاربعة قبل
السباق بفترة بسيطة. ونزلنا السباق وفازت علينا ايطاليا "زى
ما هى عاوزه" ، فقد كنا غير قادرين على التجديف وكذلك كنا
خائفين وايضا طريقة التجديف كانت مختلفة بالاضافة الى ان هناك
اثنين من المركب قد قمنا بتغييرهم لذلك لم نكسب ايطاليا ولكننا
فزنا على اليونان. ولكننى اعتقد انه لولا التغييرات الجذرية
تلك التى تمت لكنا قد فزنا على ايطاليا ولكانت نتيجتنا افضل.
ان رياضة التجديف تعتمد على الانضباط الكامل والتفاني،
وان يكون لدى المرء الاصرار والعزيمة فهى تخلق لدى الفرد هذه
الروح. لقد قمنا فى مرة من المرات هنا فى النادى بعَد الافراد
الذين اصبحوا وزراء او نواب رئيس وزراء او رؤساء وزراء او حتى
نواب رئيس الجمهورية، فوجدنا انهم 11 فرد. 11 فرد اصبحوا من
مجدفين الى هذه المناصب الرفيعة …
جاء أحد الباحثين السويسريين – والذى كسب الاوليمبياد
اكثر من مرة – وهو استاذ جامعى وعمل مستشارا للاتحاد الدولى
للتجديف وجاء الى مصر ليحاضرنا، وقد اهتم بهذا الموضوع وقام
بعمل نوع من البحث فيه، حيث اراد ان يعرف ما الذى يصل اليه المجدفين
فى مختلف انحاء العالم بعد تخرجهم. ففى اوروبا وامريكا لديهم
مثل تلك الاحصائيات التى تكشف عما يصل اليه هذا الخريج بعد 10
سنوات او 20 سنة.
ووجد ان من مارسوا التجديف هم اعظم ناس حققت انجازات
فى تاريخها العملي. فقد افادت بطولات التجديف الافرا د الذين
اشتركوا فيها بأنهم وصلوا الى مناصب جيدة على مدار حياتهم العملية.
فأعظم رياضة خلقت ناس هى التجديف.